أحمد زكي صفوت
185
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ونهيه السيوف والأقلام ، السلام عليك أيها المولى الذي قسّم زمانه بين حكم فصل وإمضاء نصل ، وإحراز خصل « 1 » ، وعبادة قامت من اليقين على أصل ، السلام عليك يا مقرّر الصدقات الجارية ، ومشبع البطون الجائعة ، وكاسى الظهور العارية ، وقادح رناد العزائم الوارية ، ومكتّب الكتائب الغازية ، في سبيل اللّه تعالى والسّرايا « 2 » السارية ، السلام عليك يا حجّة الصبر والتسليم ، ومتلقّى أمر اللّه تعالى بالخلق المرضىّ والقلب السليم ، ومفوض الأمر في الشدائد إلى السميع العليم ، ومعمل البنان الطاهر في اكتتاب الذكر الحكيم ، كرّم اللّه تعالى تربتك وقدّسها ، وطيّب روحك الزكيّة وآنسها ، فلقد كنت للدهر جمالا ، وللإسلام ثمالا « 3 » ، وللمستجير مجيرا ، وللمظلوم وليّا ونصيرا ، لقد كنت للمحارب صدرا ، وفي المواكب بدرا ، وللمواهب بحرا ، وعلى العباد والبلاد ظلّا ظليلا وسترا ، لقد فرعت « 4 » أعلام عزك الثنايا ، وأجزلت همتك لملوك الأرض الهدايا ، كأنك لم تعرض الجنود ، ولم تنشر البنود « 5 » ، ولم تبسط العدل المحدود ، ولم توجد الجود ، ولم تزيّن الركّع السّجود ، فتوسّدت الثرى ، وأطلت الكرى ، وشربت الكأس التي يشربها الورى ، وأصبحت ضارع « 6 » الخدّ ، كليل الحدّ ، سالكا سنن الأب والجدّ ، لم تجد بعد انصرام أجلك ، إلا صالح عملك ، ولا صحبت لقبرك ، إلا رابح تجرك « 7 » ، وما أسلفت من رضاك وصبرك ، فنسأل اللّه تعالى أن يؤنس اغترابك ، ويجود بسحاب الرحمة ترابك ، وينفعك بصدق اليقين ، ويجعلك من الأئمة المتّقين ، ويعلى درجتك في علّيّين « 8 » ، ويجعلك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصّدّيقين .
--> ( 1 ) الخصل : الغلبة في النضال . ( 2 ) السرايا : جمع سرية وهي من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة . ( 3 ) الثمال : الغياث الذي يقوم بأمر قومه . ( 4 ) فرعت : علت ، والثنايا : جمع ثنية كهدية ، وهي العقبة ، أو الجبل ، أو الطريقة فيه . ( 5 ) البنود جمع بند كشمس : وهو العلم الكبير . ( 6 ) ذليل . ( 7 ) تجر تجرا وتجارة . ( 8 ) اسم لأعلى الجنة ، أو هو كتاب جامع لأعمال الخير .